سيد محمد طنطاوي

530

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : ونقول لمنكري البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ والتأنيب : لقد جئتمونا - أيها المكذبون - مجيئا كائنا كمجيئكم عند خلقنا إياكم أول مرة . أي حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد . وعبر - سبحانه - بالماضي في قوله : قَدْ جِئْتُمُونا . . لتحقق الوقوع وتنزيله منزلة الواقع بالفعل . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ، وما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ . لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بالانتقال من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى فقال : زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً . أي : بل زعمتم أيها المكذبون بالبعث - أن لن نجعل لكم زمانا أو مكانا نجازيكم فيه على أعمالكم ، وأنكرتم إنكارا مصحوبا بقسم أننا لا نبعث من يموت . قال - تعالى - : وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّه مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْه حَقًّا ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . ثم صور - سبحانه - أحوال المجرمين عندما يرون مصيرهم السيئ فقال - تعالى - : * ( ووُضِعَ الْكِتابُ ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ، ويَقُولُونَ : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) * . والمراد بالكتاب : جنسه ، فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا . أي : وأحضرت صحائف أعمال العباد ، ووضعت في ميزانهم « فترى » - أيها المخاطب - « المجرمين » كافة ، مشفقين ، خائفين ، مما فيه من جرائم وذنوب « ويقولون » على سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم ، وخفة ميزان حسناتهم . « يا ويلتنا » . والويلة : الهلاك وحلول الشر والقبح والحسرة ، وهو - أي لفظ الويلة - : مصدر لا فعل له من لفظه . وهذا النداء على التشبيه بشخص يطلب إقباله .

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 94 . ( 2 ) سورة النحل الآية 38 .